السيد محمد تقي المدرسي
127
من هدى القرآن
فؤاده عشا للشيطان فيملأه بالظنون والنوايا السيئة والأفكار الضالة . . وهكذا . قال الإمام الصادق عليه السلام : شُكْرُ النِّعْمَةِ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ ] « 1 » ، وقال الإمام علي عليه السلام : شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ الله ] « 2 » . الثاني : أن يسخِّر ما أنعم الله به عليه في طاعته وإعلاء كلمته ، بأن يجعل وجوده وكيانه في طاعته وخدمة الحق وأهله ، ومحاربة الباطل وأعداء الله ، فيستمع بأذنه علوم الحق ومواعظ الصدق ، ويوظِّف بصره في النظر إلى آيات ربه وكتابه ، ويُصيِّر فؤاده وسيلة لمعرفة الحق والتفكر فيما ينفع به رسالته ونفسه والناس ، وهكذا سائر النعم والهبات الإلهية . وإذا فعل الإنسان ذلك يكون شاكرا ، ولا يتم الشكر إلا بمعرفة المنعم والتوجه إليه به ، فإن الإنسان عرضة للشرك في الشكر أيضا ، لذلك جاءت بداية الآية توجهنا إلى المنعم وأنه أهل الشكر ، وعلى هذه الحقيقة أكدت النصوص المستفيضة عن أئمة الهدى ، قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام : والْحَمْدُ لله الَّذِي لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتَابِعَةِ ، وأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ ، وتَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ . ولَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهِيمِيَّةِ فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ « إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » ] « 3 » . وقال الإمام الحسن العسكري عليه السلام : لَا يَعْرِفُ النِّعْمَةَ إِلَّا الشَّاكِرُ وَلَا يَشْكُرُ النِّعْمَةَ إِلَّا الْعَارِف ] « 4 » . وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام : يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي ، فَقَالَ : يَا رَبِّ وكَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ ولَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُكَ بِهِ إِلَّا وأَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ ؟ ! قَالَ : يَا مُوسَى الْآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي ] « 5 » . [ 24 - 27 ] وعند التفكير في الآية ( 23 ) والآية ( 24 ) نجدهما تجيبان عن أهم الأسئلة المصيرية التي تخطر على بال كل إنسان : من الذي أوجدني ووهبني ما أنا فيه من النعم ؟ ومن الذي ذرأنا في الأرض ؟ ثم ماذا بعد الدنيا ، وإلى أين تسير بنا الأقدار ؟ هذه الأسئلة وأمثالها تؤكد أن معرفة الخالق مسألة فطرية ملحة عند كل إنسان ، وهي إن لم يجب عن الإجابة السليمة فسوف يظل الإنسان حائرا لأنها أسئلة مصيرية ترسم إجابة كل واحد عليها شخصيته ( فكره وسلوكه وعلاقاته ) كما تحدِّد مستقبله .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 40 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 42 . ( 3 ) الصحيفة السجادية : الدعاء الأول . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 378 . ( 5 ) الكافي : ج 2 ، ص 98 .